الرصاص العشوائي والسلاح المنفلت.. مأساة يومية في العراق
تشهد عدد من المحافظات العراقية، ولا سيما في جنوب البلاد، تصاعدًا لافتًا في أعداد القتلى والجرحى بسبب انتشار السلاح غير الخاضع للرقابة داخل المنازل، في ظاهرة باتت تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن المجتمع وسلامة الأسر، وسط ضعف واضح في قدرة الدولة على الحد من انتشار الأسلحة والذخائر والمتفجرات خارج إطارها الرسمي.
وخلال الأعوام الماضية، تحولت بعض البيوت إلى أماكن تخزين غير آمنة للأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بل وحتى للمواد المتفجرة في بعض الحالات، نتيجة عوامل أمنية وعشائرية، إضافة إلى ارتباط بعض أفراد الأسر بفصائل مسلحة، ما جعل الاحتفاظ بالسلاح داخل المنازل أمرًا شائعًا رغم المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها.
وشهدت محافظة ذي قار، الخميس الماضي، حادثة مأساوية أسفرت عن مقتل وإصابة 6 أفراد من عائلة واحدة، بينهم طفلان، جراء انفجار قنبلة يدوية داخل منزل شمال المحافظة، جنوبي العراق.
وبحسب مصادر أمنية محلية نقلت عنها وسائل إعلام عراقية، فإن الانفجار وقع داخل أحد المنازل في قضاء قلعة سكر، ما أدى إلى وفاة طفلين وإصابة أربعة آخرين، من بينهم امرأة مسنّة، حيث جرى نقل الجثتين إلى دائرة الطب العدلي، فيما أُسعف المصابون إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وأضافت المصادر أن أسباب الانفجار لا تزال غير معروفة حتى الآن، مؤكدة فتح تحقيق في الحادث. وأشارت إلى أن هذه الواقعة ليست استثناءً، إذ تتكرر حوادث مماثلة في عدد من المحافظات، وغالبًا ما تطال ضحايا من الأطفال والنساء، نتيجة العبث بالأسلحة أو سوء تخزينها داخل المنازل، وفق ما أكده ضابط في وزارة الداخلية العراقية.
وأوضح الضابط، الذي يحمل رتبة مقدّم، في حديثه إلى العربي الجديد مشترطًا عدم الكشف عن هويته، أن حوادث الانفجار أو الإطلاق العرضي للنار داخل المنازل لم تعد حالات استثنائية، بل باتت تتكرر بشكل مقلق في عدد من المحافظات، لا سيما في المناطق التي ينتشر فيها السلاح خارج إطار سلطة الدولة.
وأشار إلى وجود تحديات كبيرة تواجه الجهات الأمنية في حصر الأسلحة، رغم الخطط التي تنفذها الحكومة، مرجعًا ذلك إلى اعتبارات اجتماعية وعشائرية، وأحيانًا سياسية، تُعقّد عمليات التفتيش والمصادرة.
وبيّن أن بعض الأسر تلجأ إلى الاحتفاظ بالسلاح بدافع الخوف أو بغرض الحماية الذاتية، إلا أن هذا السلوك يشكل خطرًا مباشرًا على أفراد العائلة، خاصة في ظل غياب معايير السلامة والتخزين السليم. وحذّر من أن الذخائر والمتفجرات القديمة قد تنفجر أحيانًا بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو نتيجة العبث غير المقصود، ما يحول وجودها داخل المنازل إلى قنبلة موقوتة.
الأطفال من بين أبرز ضحايا السلاح المنفلت في العراق
تشير معطيات حقوقية إلى أن الأطفال يُعدّون من أكثر الفئات تضررًا في الحوادث المرتبطة بانتشار السلاح غير المنضبط، بحسب ما أفاد به الناشط الحقوقي معاذ البدري في تصريح لـالعربي الجديد. ولفت إلى أن الأطفال قد يتعاملون مع الأسلحة بدافع الفضول أو اللعب، من دون إدراك كامل للمخاطر التي قد تنجم عن ذلك.
ودعا البدري إلى تعزيز جهود التوعية المجتمعية الموجهة إلى الأسر، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية تهدف إلى الحد من وجود السلاح داخل المنازل. وأوضح أن الإشكالية لا تقتصر على الأسلحة الخفيفة، بل تشمل أيضًا الذخائر والمواد المتفجرة، التي يُفترض ألا تكون بحوزة المدنيين.
وأشار في ختام حديثه إلى أن تحقيق الاستقرار والأمن يتطلب تعزيز دور القانون وبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات الأمنية، بدل الاعتماد على الاحتفاظ بالسلاح داخل المنازل.
في السياق ذاته، حذر الشيخ جاسم الساعدي، وهو أحد شيوخ عشائر الجنوب العراقي، من خطورة الظاهرة، مؤكداً لـ”العربي الجديد”، أنها “لا تهدد فقط سلامة العائلات، بل تعد أحد أبرز أسباب تصاعد العنف العشائري في محافظاتنا، إذ تحول السلاح إلى جزء من الحياة اليومية داخل البيت، أسهم في تكريس ثقافة العنف، وجعل الخلافات البسيطة قابلة للتحول إلى نزاعات دامية”. وشدد على أن “الاحتفاظ بالأسلحة والمتفجرات داخل المنازل، هو أكبر من أي تهديد خارجي آخر”، مشدداً على “ضرورة معالجة الملف، إذ إن الأمن المجتمعي لا يتحقق بالسلاح، بل بسيادة سلطة القانون”.
وكانت وزارة الداخلية العراقية أعلنت في يناير/كانون الثاني 2024، إطلاق مشروع لـ”حصر السلاح في يد الدولة”، يتضمن شراء الأسلحة من العراقيين، في إطار تنفيذ برنامج رئيس الحكومة محمد شياع السوداني بهدف سحب السلاح من المواطنين، وخُصصت بوابة “أور” الإلكترونية الحكومية بالإضافة إلى 697 مركزاً لشراء الأسلحة، وعلى الرغم من استمرارها بتنفيذ المشروع، لا يبدو أنه حقق أهدافه.
ويُعدّ السلاح المنفلت في العراق من أكبر المشكلات التي تعيق انتشار الأمن والاستقرار في البلاد لما له من تأثيرات كبيرة على الأمن المجتمعي. وسبق أن تعهد السوداني ضمن برنامجه الحكومي بسحب السلاح وإنهاء ظاهرة انفلاته خارج نطاق المؤسسات الرسمية والشرعية للدولة، وهو التحدي الذي أثيرت شكوك سياسية حول قدرته على الوفاء به. وتنتشر غالبية الأسلحة بيد المليشيات والجماعات المسلّحة إلى جانب العشائر، بينما يحرص العراقيون على امتلاك قطع سلاح داخل منازلهم في إحدى ثقافات ما بعد الغزو الأميركي للبلاد وانعدام الأمن ووسط اضطرار العراقيين إلى التفكير في الدفاع عن أنفسهم من اللصوص والاعتداءات المتوقعة.
الرابط المختصر https://tulipnews.net/?p=27964