حين تتربع “الخنفساء” على عرش السيارات

شارك

كانت رؤية سيارة فولكس فاغن بيتل، المعروفة أيضًا باسم “الخنفساء”، أن تصبح سيارة تناسب الجميع، وقد نجحت في ذلك، لتصبح واحدة من أبرز السيارات شهرة وتميزًا في تاريخ صناعة السيارات.

كان السابع عشر من فبراير عام 1972 يوماً تاريخياً بكل المقاييس، ليس فقط لعشاق السيارات، بل لعالم الصناعة بأكمله. ففي هذا اليوم خرجت من خطوط الإنتاج سيارة فولكس فاغن بيتل رقم 15,007,034، محطمة الرقم القياسي الذي ظنّ الجميع أنه لا يُقهر، والذي كانت تحمله سيارة فورد موديل تي لمدة نحو خمسين عاماً.

لم تكن هذه مجرد سيارة تتجاوز أخرى عن العرش، بل كانت لحظة فارقة أكسبت السيارة الألمانية الصغيرة لقب “السيارة الأكثر مبيعاً في العالم”، التاج الذي احتفظت به لعقود.

وقصة البيتل لم تبدأ في السبعينيات، بل تعود جذورها إلى ثلاثينيات القرن العشرين، تحديداً إلى فكرة راودت المستشار الألماني أدولف هتلر بعد وصوله إلى السلطة، إذ كان يحلم بسيارة للشعب: مركبة بسيطة لا يتجاوز ثمنها 990 ماركا ألمانيا، تتسع لخمسة ركاب، وتستطيع السير بسرعة 100 كيلومتر في الساعة.

كلف هتلر المصمم النمساوي فرديناند بورش بهذه المهمة. على مدى سنوات، ظل بورش وفريقه يعدلون النماذج الأولية، حتى أُعطي الضوء الأخضر في فبراير 1936 لبدء الإنتاج التسلسلي. لكن قبل أن تصل السيارة إلى الشعب، وصلت الحرب. حوّلت المصانع خطوطها لإنتاج المعدات العسكرية، ولم يخرج من مصانع فولكس فاغن سوى بضع مئات من السيارات المدنية.

بعد الحرب، كان البريطانيون أول من أبدى اهتماما حقيقيا بإحياء هذا المشروع استنادا إلى التصاميم النازية السابقة. شيئا فشيئا، بدأت الخنفساء تظهر في شوارع أوروبا، ثم العالم. كانت سيدان ببابين أو مكشوفة أحيانا، بمحرك خلفي يبرّد بالهواء، تصميم بسيط يحسّن توزيع الوزن، ويسهّل الصيانة إلى درجة جعلتها محببة للطبقة العاملة. لم تكن سيارة فارهة، ولم تكن تسعى إلى ذلك. كان يُراد منها أن تكون وسيلة موثوقة، وهذا كان حالها.

في ستينيات القرن العشرين، تحوّلت البيتل إلى أيقونة ثقافية. لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت رمزا للتمرد والثقافة المضادة، وارتبطت بالحركة “الهيبية” وبشباب رفضوا التفاخر الاستهلاكي للسيارات الأمريكية الضخمة. كانت أصغر حجما، وأقل استهلاكا، وبمظهر قزمي.

كانت تبدو وكأنها تبتسم. مقدمتها ذات المصابيح المستديرة الكائنة في طرفي غطاء أمامي محدب، منحتها وجها مُحببا نابضا بالحياة. سقفها المحدب وأقواس العجلات البارزة جعلاها تبدو ديناميكية حتى في سكونها. في عالم يبحث عن البساطة والوضوح، وجدت البيتل طريقها إلى القلوب بلا عناء.

لكن هل كانت تُعرف باسم “بيتل” منذ البداية؟ الإجابة لا. في الواقع، لم تعتمد شركة فولكس فاغن هذا الاسم رسمياً إلا في أواخر الستينيات. أما في كل بلد وُطّنت فيه، فقد أطلق عليها الناس أسماء محلية قريبة إلى القلب: الخنفساء، الدعسوقة، فوسكا… وهكذا اكتملت أسطورة السيارة.

توقف إنتاج البيتل الأصلية عام 2003، لكن إرثها بقي حياً. صحيح أن الجيل الأول سجّل أكثر من 21.5 مليون سيارة قبل أن يُغلق ملفه، وتبعه جيل “نيو بيتل” في التسعينيات، ثم الجيل الثالث حتى عام 2019، إلا أن الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة.

السيارة التي تحدت فورد موديل تي، وألهمت سيارة غولف لاحقاً، ثم أعادت إلهام سيارة ID. Buzz الكهربائية، لم تكن مجرد منتج ناجح، بل كانت فكرة جميلة تُرضي أغلب الأذواق. تصميمها البسيط، المستدير، والمبتسم، مع حجمها المتواضع، كان رسالة صامتة تقول: السيارة ليست آلة فحسب، بل يمكن أن تكون رفيقاً.

واليوم، حين نرى سيارات كهربائية تشبه “الخنفساء”، أو شباباً يقومون بترميم بيتل قديمة في مرائبهم، ندرك أن 17 فبراير 1972 لم يكن مجرد يوم تصدّرت فيه سيارة قائمة المبيعات، بل اليوم الذي انتصرت فيه أسطورة شعبية على أسطورة صناعية، لتثبت أن أكثر السيارات مبيعاً في التاريخ ليست تلك التي صمّمها جنرال أو وقف وراءها زعيم، بل تلك التي تبناها الناس، وأطلقوا عليها أسماء محببة، وتعلّقوا بها على مرّ الأجيال.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً