توصلت دراسة علمية إلى نتائج بارزة في علاج الاكتئاب والقلق، مقدّمةً نهجًا علاجيًا جديدًا قد يضاهي في فعاليته الأدوية التقليدية والعلاج النفسي لدى شريحة من المصابين.
يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من الاكتئاب والقلق، ورغم فاعلية العلاجات المتاحة، مثل الأدوية والعلاج النفسي (العلاج بالكلام)، فإن الوصول إليها ليس متاحًا دائمًا للجميع. فارتفاع التكاليف، والوصمة الاجتماعية، وطول قوائم الانتظار، إلى جانب الآثار الجانبية المحتملة لبعض الأدوية، تمثل عوائق حقيقية أمام كثيرين. ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن تشكل الرياضة بديلًا علاجيًا فعّالًا؟
للإجابة عن ذلك، أجرى باحثون تحليلًا موسعًا شمل مراجعة 81 تحليلًا علميًا سابقًا، تضمنت بيانات نحو 80 ألف مشارك في أكثر من ألف تجربة. وسعى هذا النهج الشامل إلى حسم التباين في نتائج الدراسات السابقة، التي اختلفت حول نوع التمارين الأكثر فائدة، ومدتها، وشدتها، والفئات التي تحقق أكبر استفادة منها.
وركزت الدراسة على قياس تأثير التمارين الرياضية بمفردها على أعراض الاكتئاب والقلق، مستخدمة أساليب إحصائية متقدمة لعزل أثر العوامل الأخرى، مثل الإصابة بأمراض مزمنة كداء السكري أو التهاب المفاصل، والتي قد تؤثر في النتائج.
وأظهرت النتائج أن ممارسة الرياضة تسهم بفاعلية في خفض أعراض الاكتئاب والقلق؛ إذ كان تأثيرها كبيرًا في تقليل أعراض الاكتئاب، ومتوسطًا في الحد من القلق مقارنة بعدم ممارسة أي نشاط بدني. وفي بعض الحالات، بدت فوائدها مماثلة، بل وأحيانًا متفوقة، على نتائج العلاج النفسي أو مضادات الاكتئاب.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ما يتعلق بالأمهات الجدد، إذ تواجه كثيرات منهن تحديات تعيق ممارسة الرياضة، مثل ضيق الوقت، وتراجع الثقة بالنفس، وصعوبة العثور على أنشطة مناسبة وبتكلفة معقولة. وتشير المعطيات إلى أن تيسير الوصول إلى النشاط البدني لهذه الفئة قد يشكّل وسيلة فعالة لتعزيز صحتهن النفسية خلال مرحلة حساسة من حياتهن.
نوع التمرين وآلية ممارسته يصنعان الفارق
لم تتساوَ جميع أشكال النشاط البدني في تأثيرها؛ فقد جاءت التمارين الهوائية — كالمشي، والجري، وركوب الدراجات، والسباحة — في صدارة الأنشطة الأكثر فاعلية في التخفيف من أعراض الاكتئاب والقلق. ومع ذلك، أظهرت تمارين المقاومة، مثل رفع الأثقال، وكذلك تمارين العقل والجسم كـاليوغا، فوائد ملحوظة أيضًا.
كما بيّنت النتائج أن ممارسة الرياضة ضمن مجموعات وتحت إشراف مختصين حققت نتائج أفضل في الحد من أعراض الاكتئاب مقارنة بالتمارين الفردية. أما بالنسبة للقلق، فلم تكن البيانات كافية لتحديد أثر التمارين الجماعية بشكل قاطع، ما يفتح المجال لمزيد من الدراسات في هذا الجانب.
ومن المثير للاهتمام أن ممارسة الرياضة مرة أو مرتين أسبوعيًا كانت كافية لإحداث تحسن في أعراض الاكتئاب، دون فروق جوهرية بين التمارين عالية الشدة ومنخفضتها. وفي ما يخص القلق، تحققت أفضل النتائج عند الالتزام بنشاط بدني منخفض الشدة بانتظام لمدة تصل إلى ثمانية أسابيع، مثل المشي أو السباحة بوتيرة معتدلة.
وتؤكد الدراسة أن الرياضة ليست مجرد وسيلة لتحسين اللياقة البدنية، بل خيار علاجي مثبت علميا للاكتئاب والقلق، لا سيما لدى الأشخاص الذين شُخِصوا بهذه الاضطرابات.
غير أن الاكتفاء بنصيحة عامة بممارسة الرياضة قد لا يكون كافيا. إذ تشير الأدلة إلى أن البرامج المنظمة، ذات الطابع الاجتماعي والمُشرف عليها مهنيا، تحقق أفضل النتائج، لأنها تعزز الالتزام والدافعية.
وعليه، يُستحسن أن يوجّه الأطباء مرضاهم إلى برامج محددة، مثل حصص اللياقة الهوائية أو نوادي المشي والجري المُشرف عليها، بدلا من الاكتفاء بإرشادات عامة.
وتمثل التمارين الرياضية، خاصة الجماعية منها وتحت إشراف متخصص، بديلا علاجيا فعّالا للأشخاص الذين يترددون في تناول الأدوية أو يواجهون صعوبة في الحصول على العلاج النفسي. ومع ذلك، تبقى استشارة الطبيب أو الأخصائي النفسي خطوة ضرورية لوضع خطة علاجية متكاملة.
التقرير من إعداد نيل مونرو، مرشح لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس، جامعة جيمس كوك؛ وجيمس ديموك، أستاذ علم النفس، جامعة جيمس كوك؛ وكلير سوموراي، محاضرة في علم النفس، جامعة جيمس كوك؛ وسامانثا تيج، باحثة أولى في علم النفس، جامعة جيمس كوك.
المصدر: ساينس ألرت
الرابط المختصر https://tulipnews.net/?p=28455





