من الخلية الأولى إلى الدماغ المعقّد: خريطة جينية تفسّر جذور الاضطرابات العصبية

توصل فريق من الباحثين إلى إعداد خريطة جينية شاملة تكشف مئات الجينات الضرورية لتكوّن الخلايا العصبية ونمو الدماغ خلال مراحله الأولى، كما نجحوا في التعرف على جين جديد يقف وراء اضطراب عصبي نمائي شديد لم يكن موثقًا سابقًا.

الدراسة، التي نشرتها دورية Nature Neuroscience، اعتمدت مقاربة مبتكرة لفهم الأسس الوراثية لاضطرابات النمو العصبي، بما في ذلك اضطراب طيف التوحد. وانطلقت من تساؤل يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه بالغ التعقيد علميًا: ما الجينات التي تمكّن الخلايا الجذعية الجنينية من التحول إلى خلايا دماغية سليمة؟

وللإجابة عن هذا السؤال، استخدم الباحثون تقنيات متقدمة في التحرير الجيني لتعطيل عمل الجينات بشكل منهجي وعلى مستوى الجينوم الكامل. وقاموا بإيقاف نشاط نحو 20 ألف جين، واحدًا تلو الآخر، داخل الخلايا الجذعية الجنينية، ثم راقبوا بدقة قدرة هذه الخلايا على الاستمرار في مسارها الطبيعي نحو التمايز إلى خلايا عصبية وتشكيل شبكات عصبية مترابطة.

وأتاح هذا النهج للعلماء تتبع مراحل التمايز العصبي خطوة بخطوة، وتحديد الجينات التي لا غنى عنها لإتمام هذا التحول الحيوي. وأسفرت النتائج عن تحديد 331 جينًا تبيّن أنها أساسية لتكوين الخلايا العصبية.

اللافت أن عددًا كبيرًا من هذه الجينات لم يكن مرتبطًا سابقًا بتطوّر الدماغ، ما يوسّع بشكل كبير فهم العلماء للخريطة الجينية التي تنظّم نمو الجهاز العصبي. كما أظهرت النتائج أن أي خلل في هذه الجينات قد يفسّر طيفًا واسعًا من الاضطرابات العصبية النمائية، مثل اضطرابات حجم الدماغ، واضطراب طيف التوحد، وتأخر النمو.

أوضح الباحثون أن تحديد الجين PEDS1 كسبب وراثي لإعاقة نمائية لدى الأطفال، إلى جانب فهم دوره البيولوجي، من شأنه أن يعزّز دقة التشخيص ويسهم في تحسين الاستشارات الوراثية المقدمة للأسر المتأثرة، كما قد يفتح المجال مستقبلًا أمام تطوير علاجات موجّهة.

ولم تقتصر نتائج الدراسة على هذا الاكتشاف فحسب، بل قدمت أيضًا رؤى أعمق حول أنماط الوراثة في الاضطرابات العصبية النمائية. إذ لاحظ الباحثون أن المسار البيولوجي الذي ينتمي إليه الجين قد يشكّل مؤشرًا مهمًا على طريقة انتقال المرض. فالجينات التي تتحكم في تنظيم عمل جينات أخرى، مثل تلك المشاركة في تنظيم النسخ الوراثي وبنية الكروماتين، غالبًا ما ترتبط باضطرابات سائدة، حيث تكفي طفرة واحدة في إحدى النسختين الجينيتين لظهور المرض.

في المقابل، تميل الاضطرابات المرتبطة بالجينات ذات الوظائف الاستقلابية، ومن بينها PEDS1، إلى أن تكون متنحية، ما يستلزم وجود طفرات في كلتا النسختين الوراثيتين، وغالبًا ما يكون الوالدان حاملين لنسخة متحورة واحدة دون ظهور أعراض عليهما.

ويرى الباحثون أن هذا الارتباط بين المسار البيولوجي ونمط الوراثة قد يساعد الأطباء والعلماء على التعرف بسرعة ودقة أكبر على الجينات المرشحة للتسبب بالأمراض.

كما أسهمت «خريطة الضرورة الجينية» التي أعدها الفريق البحثي، والتي تحدد المرحلة التطورية التي يكون فيها كل جين حاسمًا، في توضيح الفروق بين الآليات البيولوجية الكامنة وراء اضطراب طيف التوحد وتأخر النمو.

وأظهرت النتائج أن الجينات ذات الأهمية الأساسية عبر مراحل التطور المختلفة ترتبط بشكل أوثق بتأخر النمو، في حين أن الجينات التي تكون حاسمة تحديدًا خلال مراحل تكوين الخلايا العصبية ترتبط بصورة أقوى باضطراب طيف التوحد.

ويقدم هذا الفهم تفسيرًا لسبب تداخل الأعراض بين اضطرابات نمائية مختلفة، كما يدعم الفرضية القائلة إن التغيرات المبكرة في تطور الدماغ قد تلعب دورًا مباشرًا في نشوء التوحد.

قد يعجبك ايضا