نصف عام من السبات بلا وهن.. دراسة تشرح سر متانة عظام الدببة

كشف فريق بحثي دولي تقوده مجموعة من الباحثين المصريين من جامعة المنصورة عن نتائج علمية لافتة، سلّطت الضوء على الآليات البيولوجية التي تمكّن الدببة من الحفاظ على قوة وكثافة عظامها، رغم خضوعها لسبات شتوي طويل يمتد لأشهر دون حركة تُذكر أو تناول للطعام والمياه.

وقاد الدراسة الدكتور عبد الله جوهر، عضو الفريق البحثي وطالب الدكتوراه في جامعة ولاية أوكلاهوما بالولايات المتحدة، حيث أظهرت النتائج أن الدببة تمتلك تكيفًا فسيولوجيًا وهيكليًا فريدًا يحميها من فقدان الكتلة العظمية، على خلاف معظم الثدييات التي تتعرض لانخفاض ملحوظ في كثافة العظام نتيجة الخمول أو قلة الحركة لفترات طويلة.

سبات يمتد لنصف عام
“أظهرت الدراسة أن الدببة خلال فترة السبات الشتوي، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى نحو ستة أشهر، تمتنع تمامًا عن تناول الطعام والشراب، مع انخفاض ملحوظ في معدل ضربات القلب والنشاط الأيضي. ورغم هذا الخمول الطويل، تستيقظ الدببة مع بداية فصل الربيع بهيكل عظمي متماسك وقوي، من دون أي مؤشرات على الهشاشة أو الضعف، في مفارقة بيولوجية أثارت اهتمام الفريق البحثي.

ودفع هذا التناقض العلماء إلى التعمق في دراسة الظاهرة عبر تحليل نسيجي دقيق لتركيب العظام. وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور هشام سلام، عالم الحفريات ومؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ورئيس الفريق البحثي، أن العظام تحتفظ بسجل تفصيلي لمراحل النمو والتغيرات الفسيولوجية التي يمر بها الحيوان على مدى سنوات طويلة. وأشار إلى أن دراسة الكائنات الحية المعاصرة تتيح فهم آليات عمل الهيكل العظمي، وهو ما يسهم في تفسير حياة الكائنات المنقرضة عند تطبيق المنهجيات ذاتها، مثل التحليل النسيجي للعظام في أبحاث الحفريات الفقارية.

ويأتي هذا البحث ضمن التوجه العلمي لمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الذي يسعى إلى الربط بين دراسة الكائنات الحية في العصر الحديث وفهم السجل الأحفوري للكائنات المنقرضة، من خلال استخدام أدوات تحليلية وتقنيات متقدمة.

تحليل مجهري دقيق
“نُشرت نتائج الدراسة في بحث علمي حديث صدر عام 2026 في مجلة Journal of Anatomy، حيث اعتمد الفريق البحثي على إجراء تحليلات مجهرية دقيقة للتركيب النسيجي لعظام الفخذ والضلوع لدى الدببة السوداء الأميركية، التي عاشت في ولاية أوكلاهوما، سواء في بيئتها الطبيعية أو داخل حدائق الحيوان.

ويُعد التحليل النسيجي للعظام من أبرز الأدوات العلمية لفهم تاريخ النمو والتغيرات البيولوجية والضغوط الصحية التي يتعرض لها الكائن الحي على مدار حياته، إذ تحتفظ العظام بسجل داخلي دقيق يعكس هذه التحولات.

وأظهرت نتائج الدراسة أن الدببة تتبع ما وصفه الباحثون بـ«استراتيجية هيكلية مزدوجة»، تقوم على الحفاظ على قوة واستقرار العظام الحاملة للوزن، مثل عظم الفخذ، مع السماح بدرجة أكبر من إعادة التشكيل في العظام الأقل أهمية ميكانيكيًا، كعظام الضلوع.

كما كشفت تحليلات عظام الفخذ عن وجود علامات نمو سنوية واضحة تُعرف علميًا بـ«خطوط توقف النمو»، تشبه إلى حد كبير حلقات الأشجار، إذ توثق فترات التباطؤ الموسمي في تكوين العظام. وبالاستناد إلى هذه الخطوط، تمكن الباحثون من تقدير أعمار الدببة وتحديد مراحل نضجها الهيكلي بدقة.

وأظهرت النتائج أيضًا أن عظام الفخذ حافظت على بنيتها التنظيمية وقوتها سواء لدى الدببة البرية التي تدخل في سبات شتوي كامل، أو لدى الدببة التي عاشت في الأسر وربما لم تمر بسبات فعلي، ما يشير إلى أن مقاومة فقدان العظام سمة أصيلة في بيولوجيا الدببة، وليست مجرد استجابة مؤقتة لفترة السبات.

الحفاظ على القوة الهيكلية الأساسية

وعلى الجانب الآخر، كشفت دراسة الضلوع عن معدلات مرتفعة من إعادة التشكيل الداخلي، وبنية إسفنجية أكثر هشاشة مقارنة بعظم الفخذ، مع انخفاض نسبة العظم الكثيف. ويرجح الباحثون أن الضلوع تلعب دوراً مهماً في إعادة تدوير المعادن، وعلى رأسها الكالسيوم، خلال فترات الصيام الطويلة المصاحبة للسبات الشتوي.

وفي هذا الإطار، قال الدكتور عبدالله جوهر بدلاً من فقدان العظام في جميع أنحاء الهيكل العظمي، تركز الدببة عمليات إعادة التشكيل في مناطق يكون فيها ذلك أقل خطورة من الناحية الميكانيكية، وهي استراتيجية ذكية للغاية تضمن الحفاظ على القوة الهيكلية الأساسية.

كما أشار إلى أن الدراسة أظهرت أيضاً قدرة العظام على تسجيل الضغوط الصحية التي تعرض لها الحيوان خلال حياته، إذ كشفت إحدى العينات لدبة برية عانت من الجرب وسوء التغذية عن علامات إجهاد فسيولوجي مزمن، تمثلت في سماكة غير معتادة لطبقات النمو، إلى جانب معدلات مرتفعة من إعادة التشكيل في عظم الفخذ.

ولا تقتصر دلالات هذه النتائج على فهم بيولوجيا الدببة فحسب، بل تمتد لتشمل الإنسان أيضًا، إذ يُعد فقدان الكتلة العظمية الناتج عن قلة الحركة مشكلة شائعة لدى المرضى الملازمين للفراش، وكبار السن، إضافة إلى رواد الفضاء خلال فترات انعدام الجاذبية. كما تبرز الدراسة أهمية تحليل أكثر من نوع واحد من العظام لفهم الصورة الكاملة لاستجابة الهيكل العظمي، الأمر الذي يسهم في تعميق فهم مفاهيم المرونة الهيكلية والتكيف التطوري لدى الثدييات، ويفتح آفاقًا بحثية واعدة لتطوير استراتيجيات مبتكرة للحفاظ على صحة عظام الإنسان.

قد يعجبك ايضا