من أفران الفراعنة إلى مطابخ إيطاليا… هل وُلدت البيتزا في مصر القديمة؟

شارك

في التاسع من فبراير من كل عام، تحيي مطاعم متخصصة في عدد من دول العالم «يوم البيتزا»، احتفاءً بهذا الطبق العالمي الذي يجمع بين البساطة والمذاق الشهي، ويختزن في تاريخه مسيرة طويلة من الابتكار حتى بلغ مكانته العالمية.

يُرجَّح أن تعود أصول البيتزا إلى مدينة نابولي الإيطالية، إذ سُجّل أول ذكر موثق لها عام 1830، غير أن حكايتها تمتد بجذورها إلى عصور أقدم بكثير، حين عرفت الحضارات القديمة أشكالًا بدائية من الخبز المسطح المُضاف إليه مكوّنات متنوعة.

ففي حضارات الإغريق والرومان والمصريين، وحتى لدى الفايكنغ، ظهرت أطباق تقوم على الفكرة ذاتها: عجين مسطح تُزيّنه إضافات بسيطة مثل الزبدة والأعشاب والثوم والجبن. ويُروى أن المصريين القدماء كانوا يميلون إلى إضافة الجبن والتمر إلى خبزهم، ما يعكس عالمية فكرة «الخبز المُضاف إليه» عبر الثقافات المختلفة. ومع ذلك، فإن الانعطافة الحاسمة في مسيرة البيتزا حدثت في نابولي، حيث تبلور اسمها وشكلها المميز.

وفي القرن السادس عشر، وبعد وصول الطماطم من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا عام 1522، شهد هذا الطبق تحولًا جذريًا. فبينما نظر الأوروبيون في البداية بريبة إلى الثمرة الحمراء وأطلقوا عليها اسم «توت الشيطان»، أقدم فقراء نابولي، بحثًا عن طعام رخيص ومغذٍ، على تجربتها، ليكتشفوا مذاقها اللذيذ وأمانها. ومع إضافتها إلى الخبز المسطح، اكتسبت البيتزا لونًا ونكهة جديدين، لترسم ملامح الطبق الذي أصبح لاحقًا أيقونة عالمية.

مع تعاقب السنوات، تطورت البيتزا واكتسبت تنوعًا وتعقيدًا أكبر، من دون أن تتخلى عن بساطة مكوّناتها الأساسية. وفي عام 1889، شهدت نابولي محطة مفصلية في تاريخ هذا الطبق، حين زارها الملك أومبرتو الأول والملكة مارغريتا من أسرة سافوي. ووفقًا لما ترويه الأسطورة، كُلِّف صانع البيتزا رافاييل إسبوزيتو بإعداد عدة أنواع للعائلة المالكة، غير أن الملكة مارغريتا أبدت إعجابًا خاصًا بنوع بسيط يتكوّن من الطماطم الحمراء وجبن «الموزاريلا» الأبيض وأوراق الريحان الخضراء، في تجسيد لافت لألوان العلم الإيطالي. تكريمًا لها، حملت هذه البيتزا اسم «مارغريتا»، لتغدو رمزًا لنابولي، ولاحقًا لإيطاليا الموحّدة بأسرها.

ومن نابولي، انطلقت البيتزا في رحلتها نحو الانتشار العالمي. ففي عام 1830، افتُتح أول مطعم بيتزا رسمي في المدينة تحت اسم «أنتيكا بيتزا بورت ألبا»، وكان مقصودًا بشكل أساسي من الفنانين والطلاب وذوي الدخل المحدود. ومع ازدياد الإقبال، ابتكر القائمون عليه نظام دفع فريد عُرف بـ«بيتزا آ أوتو»، يتيح للزبائن تسديد ثمن الوجبة خلال ثمانية أيام من تناولها، في تعبير عن الثقة المتبادلة والعلاقة الخاصة بين المطعم وروّاده. وسرعان ما تكاثرت مطاعم البيتزا في نابولي، ثم امتدت إلى مختلف أنحاء إيطاليا، لتصبح وجبة حاضرة في كل الأوقات، من الإفطار حتى العشاء.

مع هجرة الإيطاليين إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، انتقلت البيتزا عبر المحيط الأطلسي. في عام 1905، افتتح أول مطعم بيتزا إيطالي في مدينة نيويورك، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتشار العالمي. في أمريكا، تطورت البيتزا وتبنت نكهات محلية، وأصبحت جزءاً أساسيا من المطبخ الأمريكي، بل ورمزا ثقافيا بحد ذاته.

من هناك، غزت البيتزا العالم بأسره، متكيفة مع الأذواق والتقاليد المحلية في كل بلد. في اليابان، نجد بيتزا بالسلمون وزيت الوسابي، وفي المكسيك تزين البيتزا بالفلفل الحار وجبنة كوتيجا، وفي الهند تكتسب نكهة مميزة بالكاري والباذنجان. هذا التنوع الهائل هو دليل على مرونة الطبق وقدرته على تجسيد ثقافات متعددة دون أن يفقد هويته الأساسية.

في الوقت الحاضر، تُعد البيتزا واحدة من أكثر الأطباق شعبية على مستوى العالم، يحبها الصغار والكبار، الأغنياء والفقراء، لما تتميز به من سرعة في التحضير وسهولة في التناول وتنوع لا نهائي في النكهات. تجاوزت البيتزا كونها مجرد طبق لتصبح ظاهرة ثقافية واجتماعية، تظهر في المناسبات العادية والاحتفالات على حد سواء

وهكذا، تحولت البيتزا من وجبة شعبية بسيطة إلى أيقونة عالمية، تعبر الحدود والثقافات، محتفظة بجذورها النابوليتانية وروحها الأولى، لتثبت أن أبسط الأطباق قادرة على بلوغ العالمية والبقاء حاضرة على موائد الشعوب عبر الزمن.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً