حصار مصرفي جديد في غزة: بنك فلسطين يجمد آلاف الحسابات وسط انهيار اقتصادي

شارك

تجميد حسابات الحكومة والمؤسسات الخيرية يعمق الأزمة المالية

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تعرض القطاع المالي والمصرفي الفلسطيني لضربات واسعة النطاق استهدفت نحو 93% من فروع المصارف، بالإضافة إلى خروج معظم الصرافات الآلية عن الخدمة بسبب التدمير المباشر، بالتوازي مع أزمة سيولة نقدية حادة وانهيار معظم القطاعات الاقتصادية. وفي خضم هذه الإبادة المالية والمصرفية، فوجئ فلسطينيو قطاع غزة منتصف يوليو تموز المنصرم بعمليات تجميد وحجز لحسابات موظفين في الحكومة الفلسطينية شملت بنوكًا مختلفة مثل البنك الإسلامي العربي والبنك الوطني، لتبلغ الذروة بتجميد بنك فلسطين ما بين 1200-1800 حساب في المرحلة الأولى.

برر البنك إجراءاته حينها بأنها “تجميد مؤقت لـ25 يومًا”، لكن التجميد استمر فعليًا لأشهر ووصل ذروته في أكتوبر 2025، ليتصاعد بوتيرة ملحوظة ويشمل حجز وإغلاق حسابات الأسرى والمحررين وعائلات الشهداء، ليغدو الحصار المصرفي حلقة أخرى تُضاف إلى الضغوط المالية والسياسية المفروضة على الفلسطينيين في القطاع. وتنطلق السطور التالية محاولةً تتبع أزمة الحسابات المصرفية المجمدة لدى بنك فلسطين وآثارها وآفاق حلها، في وقت باتت فيه التحويلات الإلكترونية والمحافظ البنكية الشريان شبه الوحيد لتأمين لقمة العيش في القطاع.

قطع الشريان الاقتصادي وتأثيراته المدمرة

يُعتبر بنك فلسطين أكبر بنك محلي في قطاع غزة، حيث تُقدر أرقام إحصائية عدد الحسابات المصرفية لفلسطيني القطاع بحوالي 700 ألف حساب، يستفيد منها أسر ومؤسسات وجمعيات خيرية وتجار وموظفون، إضافة لحسابات خاصة بالأرامل وأسر الشهداء والأيتام وذوي الحالات الاجتماعية الصعبة، ما يجعل منه شريانًا اقتصاديًا بحد ذاته بالنسبة للقطاع. ولهذا كان لموجات التجميد والحجز التي مارسها بحق الحسابات البنكية أثر كبير على سير الحياة والمعيشة اليومية للمواطنين، فما بين يوليو 2025 ويونيو 2026، أقدم البنك على تنفيذ موجات تجميد جماعي متتالية طالت في كل مرة ما بين 500-800 حساب دون إشعارات مسبقة أو توضيحات ومبررات للمتضررين.

ووفقًا للباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، فقد قُدر إجمالي عدد الحسابات والمحافظ الإلكترونية التي طالها التجميد أو الإغلاق أو التقييد بأكثر من 5500 حساب، فيما ترفع مصادر أخرى الرقم إلى 50 ألف حساب، في الوقت الذي يرفض البنك فيه الكشف عن العدد الدقيق للحسابات المجمدة وحجم الأموال المحتجزة نتيجة ذلك. ولم تأتِ عمليات الاحتجاز بين ليلة وضحاها، بل عبر دفعات استهدفت فئات محددة من الجمهور الفلسطيني في كل مرة؛ ففي إحدى الدفعات جمد البنك قرابة 700 حساب بنكي لمحامين من القطاع ما أثار موجة احتجاج واسعة من نقابة المحامين الفلسطينيين توصلت النقابة على إثرها لاتفاقيات مع البنك قبل أن ينقلب عليها في وقت لاحق، بينما استهدفت دفعات أخرى حسابات بنكية لأكثر من 30 جمعية ومؤسسة خيرية لتحتجز حوالات خارجية مخصصة لإغاثة الأيتام والفقراء وعائلات الشهداء ممن يعتمدون على الحوالات والمساعدات الإنسانية.

انتعاش السوق السوداء وارتفاع أسعار الذهب

انقطاع الإعالة وتدهور المعيشة ليست النتائج الوحيدة المترتبة على إجراءات بنك فلسطين، إذ تمتد النتائج لتضرب العمود الفقري لما بقي من القطاع النقدي والمصرفي الفلسطيني. وفقًا للباحث أبو قمر، فإن استهداف البنوك والصرافات الآلية وتضاؤل الكاش في يد المواطنين تسبب في انتعاش سوق سوداء للأوراق النقدية، بفتح المجال أمام تداول الأموال خارج الإطار القانوني أو الرسمي وصعوبة ملاحقة مصادر الأموال وارتباطاتها بـ “الإرهاب” وفقًا للتصنيفات الدولية. ومن منظور اقتصادي، تقوم الأنظمة والبنوك عادة بزيادة حجم الأموال في السوق الرسمية وتشجيع تحريك النقود عبر الحسابات البنكية وبأدوات رقمية لتكون عملية متابعتها ومراقبة حركتها أكثر سلاسة للنظام النقدي، لكن إقدام بنك فلسطين على إغلاق الحسابات المصرفية أدى إلى إجبار المواطنين على العودة للنقد “الكاش” وتخزينه بهذه الطريقة بدلًا من حفظه في البنوك والحسابات.

وليس الأسواق السوداء وحدها من انتعشت نتيجة تجميد الحسابات البنكية، بل كذلك أسواق الذهب في القطاع التي عكست تزعزع ثقة المواطنين بالنظام المصرفي، إذ يلجأ المواطنون حاليًا للادخار عن طريق الذهب ما رفع أسعار المعدن النفيس إلى مستويات قياسية مقارنة بأسواق محلية وإقليمية مجاورة. ويقارن أبو قمر بين سعر جرام الذهب في أسواق الضفة والأردن ومصر والذي يُراوح حدود 85 دينارًا أردنيًا وما يوازيه من العملات، بينما بلغ سعر الجرام في غزة 115 دينار أردني بزيادة نسبتها 30%، لا تعود فقط لشح المعدن في القطاع وانعدام تصديره، وإنما لاعتماده كآلية تخزين آمنة.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار توليب نيوز.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً